فضاءات ضيقة.. ثقافة المحبة

د. عاطف البطرس:

قالت فدوى طوقان بمناسبة العام الجديد: (أعطنا حباً، فبالحب كنوز الخير فينا تتفجّر. وأغانينا ستخضرّ على الحبّ وتزهر.. وستنهلّ عطاءً.. وثراءً.. وخصوبة.. أعطنا حباً).

على عتبات عيدَي الميلاد ورأس السنة، يجدر بنا أن نتذكر دعوة رسول المحبة وداعية السلام بين الناس، السيد المسيح الذي قال: (أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، وأحسنوا معاملة الذين يبغضونكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم!).

مطلب يسير التحقق ويحتاج إلى ما هو فوق إنساني، إذ كيف يمكن للناس أن يحبوا بعضهم بعضاً، وفيهم ظالم ومظلوم، مُضطهد ومِضطهِد، مغتصب الحقوق وغاصب لها.. لكن الدعوة يمكن أن تفهم أو تؤوّل على شكل آخر.

أزيلوا أسباب الكراهية بين الناس، وحققوا العدالة، وأنصفوا المظلومين، عندئذٍ يمكن أن يعود الناس إلى طبيعتهم الأولى التي يتأصل الحب فيها وتنتفي الكراهية منها.

لماذا يكره الناس بعضهم؟

لأنهم يشعرون بالظلم، أو لأن بعضهم لم يصل إلى حقوقه، فإذا تساوى الناس أمام القانون في دولة قوية لا تميز بين الناس على أساس اللون والعرق والدين، توفرت الأسس المادية الضرورية للمحبة بين الناس.

أسباب الكراهية والأحقاد معروفة، لكن من الصعب أن نساوي الناس جميعاً، فهذا مطلب يبقى هدفاً للبشرية، دونه هدرت أرواح وسالت أنهر من دماء، ومازالت الحركات الفكرية والاجتماعية تضع أمامها تحقيق العدالة الاجتماعية هدفاً، كمرحلة في طريق المساواة بين أبناء البشر في الدولة الواحدة وبين الدول على المستوى العالمي.

فالدول الغنية المتسلطة بفعل قوتها التي تكونت لديها في ظروف تاريخية محددة، تحاول استغلال الدول الضعيفة، بمحاولات إبقائها على فقرها وتخلفها بمختلف الأشكال حتى إلى حدود العدوان المسلحة وشن الحروب عليها، فكيف يمكن لشعوب تلك الدول أن تحب من ينهب ثرواتها ويقتل أبناءها، ويهدم إنجازاتها؟

إذاً، تصحيح الوضع في العلاقات الدولية، وفق ما يسمى (العدالة الدولية) كفيل بإزالة الكراهية بين شعوب هذه الدول.

كف يدي المعتدي، مقاومة عدوانيته، هو محبّة، لأن المحبة لا تعني التنازل عن الحقوق.. ولا الاستسلام أمام الظالمين.

في بلدنا عشنا سنوات عجافاً، لا شك أن آفاق الحل تلوح في الأفق، فكيف يمكن أن نزيل الأحقاد التي تراكمت، ونمحو آثار الجرائم التي ارتكبت بحق شعبنا بفعل قوى الداخل ومن يقف معها في الخارج؟ هل ندعو الناس إلى المحبة والتسامح ونسيان ما أصابهم من أوجاع؟!

المحبة هنا تعني المحاسبة وتجاوز الأحقاد، فما حصل، قد حصل، ولا يمكن استعادة الشهداء. ما خلفته الحرب الظالمة من مصائب ومصاعب طالت كل أسرة، وإن بنسب مختلفة.

المحبة تعني أن يصل كل صاحب حق إلى حقه، وأن يشعر الناس بأن ما قدموه لم يذهب هدراً، وأن عليهم فقط أن يترفعوا عن الكراهية والحقد، وهم محقون في ذلك، لكن يجب أن يتوجه حقدهم وكراهيتهم للأعمال الإجرامية نفسها وليس لمن قام بها، وبذلك يتركون فرصة تحقيقها لتجاوز آثار المحبة. وهذه العملية ليست سهلة، فهي تتطلب روح التضحية والنظر إلى الأهداف العليا من العملية التي لابد من حصولها، كي نصل إلى وضع اجتماعي يصون الكلية الاجتماعية ويخلق الظروف المناسبة لتخطّي آثار المحنة، والسير قدماً نحو المستقبل المنشود.

التوقف أمام الخسائر، وما خلفته الحرب من دمار، أشدّها ألماً ما حصل للناس لن يساهم في وضع حجر الأساس من أجل بناء البيت المشترك الذي علينا جميعاً تقع مسؤولية بنائه.

أحِبّوا أعداءكم.. تعني تجاوزوا ما ارتكبوه من جرائم، بعد محاسبتهم عليها، وتعني حصول المظلومين على حقوقهم، ومساواة الناس جميعاً أمام القانون، هذا، في النهاية، يعني الانتصار للمحبة، وهو أفضل تنفيذ وإنجاز لها على أرض الواقع.

كل عام وقلوبكم عامرة بالمحبة!

كل عام وأنتم أكثر قدرة على العطاء من أجل بناء وطن حر وشعب سعيد!

العدد 878 - 18/09/2019