فضاءات ضيقة.. جنس الرواية والحرب

د. عاطف البطرس:

يحيل سؤال الرواية والحرب إلى سؤال أوسع وأعمّ هو علاقة الرواية بالواقع، وهل هي قادرة على استيعاب شموليته وتقديمه بأشكال فنية تتجاوز معطياته وتتخطى تفاصيله، على ما لها من أهمية.

الرواية من أكتر الأجناس الأدبية قدرة على الإحاطة بالواقع، بحكم بنيتها وإمكانياتها وتاريخها العريق، فمنذ أن انفصلت عن الملحمة، بكل ما حملته الملحمة من زخم تاريخي وأسطوري يمثل حالة الصراع القائمة بين بني البشر في شراكتهم مع الآلهة، في عملية معقدة يتداخل فيها المتخيل بالواقع، شكلت الرواية وريثاً شرعياً للملحمة.

وصلت الرواية إلى أوج نضجها في القرن التاسع عشر وازدياد عدد القراء، وهي كما يقول هيغل ملحمة البرجوازية، بمعنى الجنس الأدبي الذي صور وعكس ملحمة انتصار البرجوازية بوصفها طبقة ثورية، فجرى تصويرها في انحدارها بخيانتها لماضيها وتحولها إلى طبقة معادية لقيمها متعارضة مع القيم الإنسانية، محاولة تثبيت سلطتها بكل الطرق بما فيها ما هو لا إنساني ولا أخلاقي.

ثمة من يقول إن الرواية ما تزال أفقاً مفتوحاً قابلاً للتطور والنمو والازدهار متخطية قوانينها التي أنتجتها، لأنها فن قيد التشكل (باختين) يحمل إمكانيات الاستمرار بحكم مؤهلاته المائزة وقدرته على كشف الواقع ومعرفة القوة الفاعلة فيه وما يملكه من إمكانيات نقدية تتناول المسكوت عنه وتعريه كاشفة إلى السطوح ما يجيش في أعماق الواقع من مثالب ونواقص.

الحرب ظاهرة اجتماعية سياسية لها أسبابها وسيروراتها ونتائجها، وهي واقع معيشي، فهل تمتلك الرواية القدرة على تصويره ونقله؟ أم أنها تحاول جاهدة أن تتجاوز الوثائقية التي يمكن أن تقع فيها أية رواية تتناول موضوعاً واقعياً، موضوعياً لا يمكن التلاعب بأحداثه ومعطياته.

من أخطر الأمور التي تواجه روايات الحرب أن تتحول إلى تقارير صحفية، كما في الرواية السوفيتية أثناء الحرب الوطنية العظمى، إذ نطالع وثائق عن سير المعارك وتحرك القطعات والبطولات المنجزة بعيداً عن القيم الفنية التي تحملها الرواية والتي توفرها لها التأثيرات الاجتماعية والنفسية التي تخلفها الحروب من خراب ودمار وتشوهات على الناس.

هذا لا يعني أن كل الروايات السوفييتية قد انحدرت إلى هذا المنزلق، فهناك روايات خالدة تناولت هذه الفترة كـ(قصة إنسان حقيقي)، (والفولاذ سقيناه)، ولاحقاً رواية (الهارب) وغيرها الكثير.

لو نظرنا إلى الروايات التي تحدثت عن الحرب العالمية والتي تعتبر أعمال أرنست همنغواي من أفضل النماذج والشواهد عليها مثل (وداعاً أيها السلاح)، (لمن تقرع الأجراس)، إذ حافظ الكاتب في منجزه السردي على فنيات الرواية وابتعد عن السقوط في مهاوي الوثائقية والتقريرية وحتى الإيديولوجيا التبشيرية.

لعل رائعة تولستوي (الحرب والسلام) من أهم النماذج الروائية التي تقدم عملاً خالداً نموذجياً يبين قدرات الرواية على إصدار التعميمات النظرية وتصوير الشخصيات والحركة الاجتماعية مع الأمانة للواقع بعيداً عن تصويره الميكانيكي.

علاقة الرواية بالواقع كمرجعية لا يمكن تجاوزها لكنها تثير قضية أخرى هي علاقة الواقع بالمتخيل في بنية وتركيب الرواية ووظيفتها، فأي رواية لا تحمل قدراً ما من المعرفة ولا تحرك وجدان المتلقي تعتبر رواية ابتعدت عن تحقيق أهدافها في نقل المعرفة والمتعة.

تناول الواقع في رواية الحرب يحتاج إلى وقت كافٍ من التأمل والتقصي والتحليل والتركيب، وانعكاسه فنياً ليس عملاً بسيطاً، فكل من يطالب الروائيين بالكتابة عن الراهن يعرّضهم لأخطار الوقوع في السطحية، لابد من الوقوف على مسافة زمنية كافية من الأحداث، إذ تتزايد المسافة مع تعقيدات الحرب التي تصورها الرواية، فالحرب الدائرة في بلدنا مثلاً مركبة متداخلة تحتاج إلى رؤية ووعي وخبرة لفك تداخلاتها المحلية والإقليمية والعالمية، وهذا يتطلب من الكاتب ما يوازيه من جهد ومعاناة في فهم الواقع وآليات انعكاسه وتحوله إلى خلق فني.

العدد 878 - 18/09/2019