فضاءات ضيقة.. رحيل الأصدقاء.. وجع مقيم

د. عاطف البطرس: 

 ما إن غيّب الثرى جثمان الأديب حنا مينه، حتى فُجعت برحيل الشاعر المتمرد إبراهيم الجرادي، واليوم جاءني خبر رحيل الصديق العتيق جورج نمر.

صحيح أن جورج لم يكن أديباً، ولا شاعراً، ولكنه كان مثقفاً عضوياً، وقارئاً مهماً، وناقداً لكل ما يطلع عليه ويقرؤه.

كم مرة توقف عند غير زاوية كتبتها في جريدة (النور)، وخاطبني بلغة الحنو واللباقة المعهودة فيه، وقدم لي نصائحه وملاحظاته على ما كتبت! كنت أستمع إليه بكل حواسي، وأرى في عينه الحماس والتوقد والحرص على المعلومة دقةً وسلامةً. كان يقول لي: ابتعد عن التعميم ولا تقارب ظواهر لا تعرف كامل أبعادها (يا أخي خلّيك بالأدب، شو بدّك بالفلسفة، أفكارك جميلة وعميقة، لكنها تفتقر إلى التقصي والدقة).

في الأدب والفن يمكن إطلاق الأحكام العامة، لأنها ظواهر غير مستقرة، وقابلة للتبدل وبالتالي تتغير الأحكام عليها، أما في الفكر فهي أكثر استقراراً أو تحتاج إلى تروٍّ قبل إطلاق الأحكام.

حالة الحماسة لديه، والتوقد والهجوم والمباغتة في إبداء الملاحظات، ترافقت مع حرص شديد على خصوصية المكتوب واحترامه، إذ قلما نجد قارئاً يتصف بحدة المزاج وبالحيادية نحو ما يقرأ.

جورج ابن أسرة طيبة الجذور، عريقة في المواجهات، تحمل فكراً متقداً، عرف بعض أفرادها السجون والمعتقلات، وحوصر بعضهم الآخر وحُرموا، بسبب انتمائهم، مما يستحقون وفق مهاراتهم وكفاءاتهم ، لا قيمة عندهم تعلو على الوطنية والصدق والإخلاص والنزاهة والأمانة.

كيف أنسى لقاءاتنا بجورج، عند أبي سعيد (يوسف نمر) الأخ الأكبر لنا جميعاً، والرفيق المجرب؟! وكيف كان ينتقل في الحوار مهدئاً غلواء أخيه، محاولاً إعادة الحوار إلى الدفء والابتعاد عن الانفعال.

لم يكتب جورج في الفكر والأدب، لكنه كان محللاً بارعاً، وذواقاً متميزاً، يتابع ويقارن، يستخلص ويراكم الخبرات، الخسارة الكبيرة ليست برحيله، وإنما بعدم مساهمته كتابة وتأليفاً في القضايا التي يحسن التحدث فيها، فهو مثقف شفوي.

يا جورج! ربما كل الانفعاليين يستعجلون الرحيل، وكأن القيّمين على الحياة لا تتسع صدورهم لتوقّد العقول ولا تتحمل مواقعُهم اختلافَ الأمزجة، يريدوننا متماثلين مطيعين قابلين للتنميط والنمذجة بقتل التفرد والخصوصية فينا. كم رفضت وأبديت احتجاجاً هنا وهناك، على هذا وعلى ذاك! لكن صوتك كان يذهب دون تأثير أو محاولة لفعل يبدل أو يغير ما هو مألوف بحكم التكرار والعادة، القاتلة لكل تجديد وإبداع.

سيفتقد من يعرفك فيك، محاوراً ذكياً، ومحرضاً شجاعاً، وقارئاً مطلعاً، ورفيقاً حريصاً على القيم والمبادئ التي آمن بها وعمل على نشرها بعد معاناة تجديدها وتبييئها وتخليصها من العمومية، بتحويلها إلى الخصوصية باستزراعها في تربتنا.

ماذا لو بقيت معنا قليلاً، قليلاً، لننجز ما تبقى لنا من خطوات على طريق طويلة محفوفة بالمصاعب والمخاطر؟ أم أنك آثرت السلامة، وتركتنا نكابد آلامنا التي أضاف رحيلك إليها آلاماً جديدة؟

فإلى إخوتك وأصدقائك ومعارفك وافر الصبر مشفوعاً بحرقة الغياب، ولي في علاقتي بك منارة هداية، ودافع ثقة، وعهد، على مواصلة الطريق بكل ما أملك من قدرة على التجدد والمثابرة.

نم قرير العين هانيها، أفكارك وقيمك، صدقك ونبلك، ترفّعك عن الضمائر، ستبقى لنا منارة هداية في ظلمة أيامنا.

العدد 878 - 18/09/2019