فضاءات ضيقة.. الكلمة مسؤولية

د.عاطف البطرس:  

تتطلب مسؤولية الكلمة التمهّل قبل النطق بها، لأنها ابنة التفكير، ولا يمكن أن تصدر كلمات تشكل جملاً مفيدة دون إعمال للعقل قبل فعل التلفّظ.

الألفاظ والكلمات وعاء المعاني، فلا حديث عنها بمعزل عن العقل الذي تصدر عنه، لأن العقل ينتج المفردات، في الوقت الذي يشكل التراكم الكمي لها مادة مغذية للعقل ولعملية التفكير، وكما قيل سابقاً حول العلاقة الجدلية بين اللغة والفكر والتأثير المتبادل بينهما، ينتج الفكر اللغة في الوقت الذي تطور اللغة فيه الفكر.

يتعاظم دور الكلمة ومسؤوليتها في المنعطفات الحادة وفي القضايا الكبرى، فإذا كانت الرصاصة تقتل شخصاً واحداً ولمرة واحدة، فإن الكلمة تقتل أشخاصاً ولأكثر من مرة وقد تقتل شعباً وأمة، عندما تصدر عن رجل فكر أو أدب له شهرة وانتشار واسعين، وتأثير اجتماعي، فحجم المسؤولية عنها يتناسب طرداً مع مكانة المتلفظ بها.

إذاً، علينا أن نفكر ملياً قبل أن نصدر أحكامنا على القضايا التي تهمنا، وعلينا أيضاً أن نتوخى الحذر الشديد إذا تعلق الأمر بالقضايا الوطنية والاجتماعية والإنسانية.

الحديث الشريف (أمسك لسانك) لا يعني أبداً عدم المشاركة في الحوارات الدائرة، كما لا يعني الصمت، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، المضمر في الحديث أعمق من المصرح به، مقولته: فكِّر قبل أن تنطق، فقد يقود اللسانُ الإنسانَ إلى حتفه.

ليكن كلامنا منصبّاً على ما هو مفيد، وما يساعد على شحذ الهمم، ويقوي الوحدة الوطنية، ويشد اللحمة الاجتماعية وينمي لدى المتلقين حب الخير، ويدعو إلى قيم الحق والعدل والجمال، كما قال الشاعر:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده..

واللسان هو العقل، وفي المقولة تكثيف دلالي، وتعبير مجازي يختصر عملية معقدة باللسان، وهو عضو في جهاز النطق الذي يبدأ من الحبال الصوتية وينتهي بالشفتين، لذلك قيل: لا ينبس ببنت شفة، ويعني الكلمة.

الكلمة العاقلة الموحية، الدالة المحددة، التي لا تثير اللبس ولا تبعث الضغائن ولا تنكأ الجراح، هي بلسم يشفي، يساعد في المواجهة التي يخوضها شعبنا، والتي على نتائجها يتحدد مستقبل أجياله القادمة.

والكلمة نوعان: منطوقة ومكتوبة.

والكلمة المنطوقة ظاهرة صوتية قد لا يتجاوز تأثيرها أعداد من يصغون إليها، أما الكلمة المكتوبة فتنتقل عبر العصور وتتجاوز حدود المكان وتنفلت من حصار الزمان، فمازلنا حتى اليوم نقرأ منذ عصور سحيقة ملحمة غلغامش وإلياذة هوميروس، وآراء سقراط وأرسطو، وغيرهم من فلاسفة العالم ومفكريه وأدبائه، و(سقط الزند) و(رسالة الغفران) مازالتا بيننا.

لم يحتفظ التاريخ إلا بالمفيد من الكلمات، وقد تساقط الضار منها عبر الأزمنة، وتناسته الشعوب، ومُحي من مدوناتها.

لأبناء منطقتنا تاريخ حافل في إنتاج المعرفة، فمن هنا خرجت أول أبجدية وصدرت إلى العالم، ومن مكتباتنا انتقلت المعرفة والعلوم إلى أهم مراكزها (أوربا المعاصرة) التي ادعت أن الحضارة الإنسانية بدأت من اليونان وأنها هي وريثتها الشرعية.

الحضارة الإنسانية إنجاز للبشرية جمعاء، ساهم كل شعب فيها بقدر ما يستطيع، ومركزية الحضارة الأوربية أكذوبة تاريخية كبرى، ولابد لنا من استعادة دورنا لنساهم في عملية إنتاج المعرفة الإنسانية كما كنا في غابر الأزمنة، وبذلك نعيد لشرقنا العظيم دوره التاريخي.

العدد 878 - 18/09/2019