حدادة سورية بحاجة لإصلاح سياسي اقتصادي حقيقي

تحدث الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني د. خالد حدادة، عن أبرز قضايا الشأن اللبناني، في مقابلة مطولة مع مجلة (صدى النضال) اللبنانية، حدد فيها موقف الحزب من التغيير وقانون الانتخاب ونظام المحاصصة. وقاربَ الأزمة السورية في إجابته عن بعض الأسئلة التي وجهت إليه.. ومما جاء في هذا الشأن  معروف أن الأزمة في سورية ذات وجه دولي، وواضح استهدافها تحت مسمّيات عدة، ماذا تقترحون لفتح أفق المصالحة في سورية؟

نحن حددنا رأينا منذ 18 آذار ،2011 فقد كنت أشارك في مؤتمر الحزب الشيوعي السوري (الموحد) في دمشق، التي شهدت حينذاك أول تظاهرة صغيرة من مثقفين، منهم الطيب تيزيني الذي اعتقل على إثرها وغيره. توجهتُ إلى القيادة السورية التي كان جزء منها حاضراً افتتاح المؤتمر قائلاً إنه لا داعي لأن يبذل أحد جهداً لإقناعنا بأن مؤامرة تتعرض سورية لها من القوى الإمبريالية. تكون الامبريالية غبية جداً إذا لم تتآمر على سورية. ولكن هذا وجه من الأزمة. لذلك يجب عليكم الاعتراف بالوجه الآخر منها، وحلّه هو عندكم، وهو غياب الديمقراطيات والحريات والحاجة إلى إصلاح ديمقراطي حقيقي. والوجه الثاني المرتبط به هو أن السياسة الاقتصادية التي كان رمزها عبد الله الدردري، كانت سياسة نظام، ربطت الاقتصاد السوري بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، وأفقرت القوى الشعبية التي كانت تحمي الموقف الوطني في سورية، وأفقدت مواطنيها قدرتهم على العيش الكريم، سواء أكانوا مزارعين أم عمالاً.

وقلت يجب أن تبادروا إلى إجراءات تتعامل بثقة مع التحركات السلمية الشعبية التي ابتدأت، لا أن تعتقلوا المتظاهرين، وهم حتى من ضمن إطار حزب البعث، فضلاً عن غيره. وختمت هذه السياسة لم تعد تنفع، ولذلك أنتم بحاجة إلى إصلاح سياسي حقيقي، وإصلاح اقتصادي حقيقي. وطالبنا حينذاك بالدعوة إلى مؤتمر حوار وطني يضم قوى الجبهة الوطنية مع قوى معارضة وطنية أيضاً وموجودة داخل سورية وخارجها، للمشاركة في مؤتمر وطني حقيقي، وإعطائه صلاحية إقرار إصلاحات دستورية وسياسية ووطنية على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

الإصلاح ليس منحة يعطيها النظام.. ما كانت ردة فعل القيادة السورية حينذاك؟

للأسف كانت ردة فعل النظام والحزب المسيطر بأن سورية تختلف عن الدول الأخرى، ويحميها الموقف الوطني والقومي. هذا صحيح، إن الموقف الوطني والقومي يعطي سورية حصانة، ولكن في مرحلة من مراحل التناقض مع مصالح الشعب وحرياته ولقمة عيشه يصبح العامل الوطني ضعيف التأثير. وهذا ما حصل سياسياً. وكانت تأتي خطوات إصلاحية أقل مما يجب ومتأخرة عن التوقيت الصحيح لاستحقاقها، فتكون الموجة الشعبية قد أصبحت في طور آخر.

وكان هذا الطرح قبل تشكيل الحكومة الأخيرة، لقد كان موقفنا أن الضرورة تقتضي تنظيم مؤتمر حوار وطني يسبق الانتخابات النيابية وتشكيل حكومة جديدة. وكانت بعض قوى المعارضة الوطنية مستعدة للمشاركة والانخراط في هذه الآلية.

أعتقد أننا ما زلنا بحاجة إلى مؤتمر حقيقي يستعيد دراسة الدستور والإصلاحات كلياً وبعمق. (مشدداً) الإصلاحات ليست منحة يعطيها النظام. الإصلاح يتكون بحوار وطني عام وحقيقي يضع أسساً دستورية وقانونية جديدة وديمقراطية وفعلية لإصلاح النظام، وعلى أساسها تُشكّل حكومة مهما كانت تسميتها انتقالية، إنقاذية، حكومة وحدة وطنية، إنما تكون حائزة على صلاحيات كاملة تعيد تكوين المؤسسات الدستورية.

بعض المعارضة رفض الحوار وامتشق السلاح أو التعنت.. لكن بعض قوى المعارضة رفضت دعوة الدولة للحوار، كما حصل في مؤتمر الحوار منتصف العام الماضي بقيادة نائب الرئيس فاروق الشرع، وبالتالي رفضت المشاركة في الحكومة الجديدة، مثلاً هيئة التنسيق الوطنية.

بداية لم يكن الأمر هكذا بالنسبة لهيئة التنسيق، بينما أنا أضع ما يسمى المجلس الوطني خارج عملية الإصلاح تماماً. فهو غارق وضليع في الخطة الأمريكية- الخليجية لأعماقها، وهو مركّب ومعدّ لتنفيذ هذه الخطة بكل مكوناته السياسية وغير السياسية لتنفيذ ما سميتها خطة أوباما التي أعلنها عام 2009 في خطابه الشهير في جامعة القاهرة.

أنا أقصد بالمعارضة الوطنية طيفاً واسعاً من القوى، منها ما أصبح داخل الحكومة كالإرادة الشعبية للتغيير، ومنها مازال خارجها كهيئة التنسيق والمنبر الديمقراطي، وغيرها.. هذه المعارضة مع أحزاب الجبهة الوطنية، وبضمنها حزب البعث، تشكل نواة المؤتمر الوطني العام الذي اقترحناه لدرس التغيير الحقيقي. وتعطى مجالاً حقيقياً للعمل وتخطيط الإصلاح في آلية حوارية عميقة ومفتوحة، لا أن يضع النظام لها جدول أعمالها. ويرى أن الإصلاحات هي مجرد منحة منه للشعب. بل أن يترك لقواه السياسية الوطنية كافة حق الإصلاح الفعلي، ويترك لها حرية العطاء والتحاور والتخطيط. وأنا أعلم جدياً أن بعض هذه القوى التي ذكرت كان مستعداً للمشاركة في اللقاء التشاوري برئاسة نائب الرئيس الشرع، ولكن أسلوب التعاطي معهم للأسف وفر لبعضهم ذريعة شكلية لعدم المشاركة. أنا أخالف هذا الموقف، فلمواجهة ما يستهدف سورية يجب علينا تخطي الذرائع، والمشاركة هي واجب وطني في هذه الحال ورفض المشاركة نكوص سلبي عن هذا الواجب، بذريعة أن جدول الأعمال كان محدداً سلفاً، ولم تكن ضمانات تنفيذ القرارات التي قد تنتج عن المؤتمر متوفرة. إني أرى ذلك ذرائع محقة لكنها غير كافية.

العدد 938 - 02/12/2020