حماية انتصار تموز بالإصلاح الوطني حماية انتصار تموز بالإصلاح داخلياً

لم يكن ما جرى في حرب تموز التي شنها العدو الإسرائيلي عام 2006 على لبنان والمقاومة، أمراً عادياً أو تكراراً لما سبق… فهذه الحرب التي دامت 33 يوماً واستخدمت فيها إسرائيل أحدث أسلحة الدمار والموت، بهدف تحطيم المقاومة، وتفجير التعدد في بنية مجتمعنا اللبناني، الذي يشكل نقيضاً لدولتها الدينية العنصرية، قد فشلت في تحقيق أهدافها. ومع أن حقدها المزدوج على لبنان والمقاومة الشعبية، قد انصبّ حمماً وقتلاً دون تمييز، وشمل كل المناطق اللبنانية، إلا أن المقاومة في مرحلتَيْها الوطنية والإسلامية، استطاعت أن تشكل رداً ونموذجاً ظافراً فرض على الجيش الصهيوني الانسحاب المذل، رغم ما يحظى به من دعم استراتيجي من الحليف الأمريكي… فالمقاومة والوحدة الشعبية الداخلية، قد شكّلتا مع دور الجيش، العامل الحاسم في إفشال هذا العدوان.
إن الظاهرة الجديدة الأكثر إيلاماً لإسرائيل في حرب تموز لا تقتصر على قهر جيشها، بل تكمن في جعل آلام هذه الحرب تطول المدن الإسرائيلية والداخل الإسرائيلي، مما أصاب سكانها بالذهول والرعب للمرة الأولى في تاريخ حروب إسرائيل العدوانية على العرب… ويمكن القول إن تجربة إسرائيل مع لبنان، تلازم فيها الفشل مع المرارة، لكن دون أن نستنتج أنها ألغت من حسابها وخططها نية العدوان والثأر من لبنان.
وما ينبغي الإشارة إليه هنا، هو أن إسرائيل التي بانت مكامن ضعفها أمام المقاومة وصواريخها، لم تقبع في خانة الانكفاء أو الانتظار، فقد ركّزت عملها ودور أجهزتها وعملائها، توافقاً مع المخطط الأمريكي التفتيتي، على مواصلة حربها وعدوانيتها ولكن في شكل آخر ومجال مختلف، لا يقل خطورة عن الشكل العسكري، ويرمي إلى تحقيق الهدف المزدوج نفسه، أي لبنان المتعدد، والمقاومة… وذلك من خلال تأجيج صراعات ونزاعات مذهبية وطائفية تضعف دور المقاومة وشعبيتها، وتجرّها إلى فتنة داخلية بين اللبنانيين… ولا يكفي هنا إدراك قيادة المقاومة خطورة الانجرار إلى الفتن، وحرصها على عدم الوقوع في فخّها… فالوضع اللبناني المعروف بحساسيته المفرطة ودقة توازناته السياسية والطائفية والمذهبية الناجمة عن طبيعة نظامه السياسي الطائفي، مفتوح دائماً على الانقسامات والتوترات، مما يسهّل على العوامل والتدخلات الخارجية أن تنفذ إلى الداخل من خلال الشقوق والتصدعات القائمة، الآن وقبلاً، وما دامت البنية الطائفية قائمة في أساس النظام والسلطة.. وتستفيد أيضاً من الطابع المذهبي لبنية المقاومة وحزبها الأساسي حالياً، بغرض تأليب مجموعات وزعامات مذاهب وطوائف أخرى، ضد المقاومة وسلاحها، تحت عنوان أما السلاح لجميع المذاهب والطوائف، أو سحب سلاح المقاومة، في وقت لا تزال فيه إسرائيل تحتل بعض أجزاء من أرضنا، وتواصل خروقها اليومية وتهديداتها للبنان، وفي ظروف لم تصبح فيها الدولة ومؤسساتها قادرة على حماية الوطن… ويُلاحظ تصاعد هذه الحملات والشعارات مع تنامي دور تيارات إسلامية دينية متطرفة في محيط لبنان العربي، ومع الحالة المتفجرة في سورية، مما يجعل المقاومة والوضع اللبناني والسلم الأهلي في حالة تهديد وقابلية للاشتعال.. وليس ما يجري في صيدا (اعتصام الشيخ الأسير وتصريحاته الاستفزازية) وفي عكار وطرابلس، كما بعض المظاهر الأخرى في بيروت وغيرها، سوى أمثلة على ممارسات خطيرة ترتبط بأجندات خارجية سياسياً ومالياً، وتتلطّى بالمذهبية والدين.. ويجدر التساؤل هنا هل من الطبيعي أن يكون الوضع اللبناني بعد الانتصارات العظيمة للمقاومة ولبنان، على هذه الحالة من الانقسامات والتشرذم والتوترات؟
ألا يتيح هذا الوضع للعدو الذي فشل في عدوانه عسكرياً، أن يستخدم هذه الانقسامات الحادة ليحقق من الداخل ما فشل به عسكرياً؟! إن المخطط الصهيوني الأمريكي الذي يستخدم في هجمته الشكل العسكري والأمني والشكل الداخلي التفتيتي، يستدعي مواجهته في المجالين. وهذا ما يؤكد أن التحرير لا يُحمى إلاَ باستكماله بالتغيير.. فمن خلال اعتماد نهج يجسّد مطالب الناس وحاجاتهم المعيشية والحياتية في جميع المناطق والطوائف، إلى جانب ضرورة الإصلاح الجدي الرامي إلى بناء وطن موحّد حصين ودولة ديمقراطية على أساس المواطنية، يتاح إضعاف النزعات الطائفية والمذهبية، وخلق مناخ شعبي توحيدي داخلياً، فيُحاصر التيار المقاوم أعداءه وخصومه، ويُفشل محاصرتهم له.

عن النداء

العدد 938 - 02/12/2020