الزلزال المصري وتداعياته

دخلت القوات المسلحة المصرية في الأول من تموز على خط الأزمة، معلنة انحيازها إلى (شعب مصر العظيم)، وممهلة الرئيس مرسي 48 ساعة (لتلبية مطالب الشعب)، تحت طائلة مصادرة الساحة وفرض خريطة طريق للحل، في خطوة ترافقت مع طلعات جوية استعراضية لطائرات سلاح الجو المصري التي نالت ترحيب الثوار، واستنكار قيادات الإخوان الذين حاولوا في البداية الإيحاء بحيادية العسكر حيال الطرفين المتنازعين. لكن عودة العسكر لتصدر المشهد السياسي المصري لم تأتِ من فراغ، فقد بدا واضحاً للعيان ومن اللحظة الأولى أن حجم الاحتجاج الشعبي غير مسبوق، وأنه طال شرائح ومناطق لطالما كانت خارج إطار الحدث العام، بل كانت تعدّ داعمة تقليدية للإخوان. كما كان واضحاً أن الملايين التي استوطنت الشوارع والساحات مصممة على عدم مغادرتها قبل تحقيق مطالبها بتنحي الرئيس وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. ولعل حادثة المقطم، حيث استهدف مقر قيادة الإخوان المسلمين وخلّف الاشتباك 8 قتلى ونحو 780 جريحاً، كانت مؤشراً بارزاً إلى أن خروج الأمور عن السيطرة باتت مسألة وقت لا أكثر.

وكان الجيش قد أثنى، في البيان رقم ،1 على خروج (شعب مصر العظيم ليعبر عن رأيه وإرادته تعبيراً سلمياً وحضارياً غير مسبوق). وأكد أن (من المحتم أن يتلقى الشعب ردّاً على حركته وعلى ندائه من كل طرف يتحمل قدراً من المسؤولية في هذه الظروف الخطرة المحيطة بالوطن). وتابع أن (القوات المسلحة كطرف رئيسي في معادلة المستقبل، وانطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية والتاريخية في حماية أمن هذا الوطن وسلامته، تؤكد التالي: إنها لن تكون طرفاً في دائرة السياسة أو الحكم، وإن الأمن القومي معرض لخطر شديد إزاء التطورات التي تشهدها البلاد، وهو يلقي علينا بمسؤوليات، وإن القوات المسلحة استشعرت مبكراً خطورة الظرف الراهن وما تحمله طياته من مطالب للشعب المصري العظيم، ولذلك فقد سبق أن حددت مهلة أسبوع لجميع القوى السياسية في البلاد للتوافق والخروج من الأزمة، إلا أن هذا الأسبوع مضى دون ظهور أي بادرة أو فعل، وهو ما أدى إلى خروج الشعب بتصميم وإصرار وبكامل حريته على هذا النحو الباهر).

وأضاف البيان أن (ضياع مزيد من الوقت لن يحقق إلا مزيداً من الانقسام)، وبالتالي (فإن القوات المسلحة تعيد وتكرر الدعوة لتلبية مطالب الشعب وتمهل الجميع 48 ساعة، فرصة أخيرة لتحمل أعباء الظرف التاريخي الذي يمر به الوطن)، و(تهيب بالجميع بأنه إذا لم تتحقق مطالب الشعب خلال المهلة المحددة، فسوف يكون لزاماً عليها، استناداً إلى مسؤوليتها الوطنية والتاريخية واحتراماً لمطالب شعب مصر العظيم، أن تعلن خريطة مستقبل وإجراءات تشرف على تنفيذها وبمشاركة جميع الأطياف والاتجاهات الوطنية المخلصة، وبضمنها الشباب الذي كان ولا يزال مفجراً لثورته المجيدة، ودون إقصاء أو استبعاد لأحد).

البيان قوبل بترحيب المعارضة السياسية والمحتجين الذين كانوا معتصمين في ميدان التحرير وأمام القصر الرئاسي، والذين دعا بعضهم منذ اليوم الأول للاحتجاجات إلى تدخل عسكري بهتافات من قبيل: (انزل يا سيسي، مرسي مش رئيسي).

 

النص الكامل للبيان الذي أصدرته القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية يوم 1/7/2013: شهدت الساحة المصرية والعالم أجمع أمس تظاهرات وخروجاً لشعب مصر العظيم، ليعبر عن رأيه وإرادته بشكل سلمي وحضاري غير مسبوق.

لقد رأى الجميع حركة الشعب المصري وسمعوا صوته بأقصى درجات الاحترام والاهتمام، ومن المحتم أن يتلقى الشعب رداً على حركته وعلى ندائه من كل طرف يتحمل قدراً من المسؤولية في هذه الظروف الخطرة المحيطة بالوطن.

إن القوات المسلحة المصرية كطرف رئيسي في معادلة المستقبل وانطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية والتاريخية في حماية أمن هذا الوطن وسلامته، تؤكد على الآتي:

 – إن القوات المسلحة لن تكون طرفاً في دائرة السياسة أو الحكم، ولا ترضى أن تخرج عن دورها المرسوم لها في الفكر الديمقراطي الأصيل النابع من إرادة الشعب.

 – إن الأمن القومي للدولة معرّض لخطر شديد إزاء التطورات التي تشهدها البلاد، وهو يلقي علينا بمسؤوليات كل حسب موقعه للتعامل بما يليق من أجل درء هذه المخاطر.

 – لقد استشعرت القوات المسلحة مبكراً خطورة الظرف الراهن وما تحمله طياته من مطالب للشعب المصري العظيم، ولذلك فقد سبق أن حددت مهلة أسبوع لكل القوى السياسية بالبلاد للتوافق والخروج من الأزمة، إلا أن هذا الأسبوع مضى من دون ظهور أي بادرة أو فعل، وهو ما أدى إلى خروج الشعب بتصميم وإصرار، وبكامل حريته، على هذا النحو الباهر الذي أثار الإعجاب والتقدير والاهتمام على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي.

 – إن ضياع مزيد من الوقت لن يحقق إلا مزيداً من الانقسام والتصارع الذي حذرنا، وما زلنا نحذر منه.

 – لقد عانى هذا الشعب الكريم، ولم يجد من يرفق به أو يحنو عليه، وهو ما يلقي بعبء أخلاقي ونفسي على القوات المسلحة التي تجد لزاماً أن يتوقف الجميع عن أي شيء بخلاف احتضان هذا الشعب الأبي الذي برهن على استعداده لتحقيق المستحيل إذا شعر بالإخلاص والتفاني من أجله.

– إن القوات المسلحة تعيد وتكرر الدعوة لتلبية مطالب الشعب، وتمهل الجميع 48 ساعة كفرصة أخيرة لتحمل أعباء الظرف التاريخي الذي يمر به الوطن الذي لن يتسامح أو يغفر لأي قوى تقصر في تحمل مسؤولياتها.

– وتهيب القوات المسلحة بالجميع بأنه إذا لم تتحقق مطالب الشعب خلال المهلة المحددة فسوف يكون لزاماً عليها، استناداً لمسؤوليتها الوطنية والتاريخية واحتراماً لمطالب شعب مصر العظيم، أن تعلن عن خريطة مستقبل وإجراءات تشرف على تنفيذها، وبمشاركة جميع الأطياف والاتجاهات الوطنية المخلصة، بما فيها الشباب الذي كان ولا يزال مفجراً لثورته المجيدة، ودون إقصاء أو استبعاد لأحد.

 – تحية تقدير وإعزاز إلى رجال القوات المسلحة المخلصين الأوفياء، الذين كانوا ولا يزالون متحملين مسؤوليتهم الوطنية تجاه شعب مصر العظيم بكل عزيمة وإصرار وفخر واعتزاز.

حفظ الله مصر وشعبها الأبي العظيم.

 

رسائل بيان

القوات المسلحة الأول

تضمنت الصياغة الدقيقة لبيان القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية عدة رسائل موجّهة إلى جميع أطياف المشهد السياسي المحتقن، بهدف تسوية الأزمة الداخلية، وللحيلولة دون تعقيد الموقف، أو الإفراط في استعداء الأطراف بعضها ضد بعض، والرسائل التي تضمنها البيان وجّهت للأطراف التالية:

1- رسائل طمأنة للجماهير المحتشدة في الميادين، بأن المؤسسة العسكرية أدركت مطالب الحشود المحتجة، ومدى ما تضمنه الحراك الاحتجاجي من دلالات استثنائية فارقة، باعتباره الأكبر منذ ثورة 25 كانون الثاني، وأنها تتحمل مسؤولية تحقيق هذه المطالب.. ويعطي توقيت صدور البيان زخماً قوياً للاحتجاجات على مدار ال48 ساعة القادمة للتعبير عن مصداقية حشود المعارضة في مطالبها.

2- رسائل مزدوجة للنخبة السياسية المدنية، وتشير إلى أن القوات المسلحة (لن تكون طرفًا سياسياً) أو تعود إلى دور الحكم المباشر، بما يعني أنها لا تعلن عن انقلاب عسكري، وإنما عن دور تحكيمي بين الفرقاء السياسيين لإنهاء الاحتقان، وأن دورها لن يتجاوز الإعلان عن خريطة للطريق بمشاركة كل الأطراف، والإشراف على تنفيذها. أما الوجه الآخر للرسالة فتمثل في تأكيد بيان الجيش أهمية دور الشباب في حركة الشارع، وأن النخب السياسية التقليدية سيتراجع دورها، في مقابل مساحات أكبر للكوادر الشبابية التي بادرت بتنظيم حراكها السياسي.

3- رسالة تحذير للسلطة السياسية من أن الحراك الثوري الحالي يعرض الأمن القومي للخطر، وأن عدم استجابة الرئيس وأركان نظام الحكم لتعقيدات المشهد السياسي أدت إلى تأجيج الموقف، مع تأكيد أن عامل الوقت لن يؤدي إلا لمزيد من الانقسام والصراع، لأن الظرف التاريخي لا يتحمل التقصير في المسؤولية، ومن ثمَّ منحت المؤسسة العسكرية جميع الأطراف مهلة 48 ساعة للتوافق، وإلا تدخلت المؤسسة العسكرية على النحو السابق بيانه.

4- رسالة تهدئة لمؤيدي الرئيس والتيارات الإسلامية بأنها لن تقوم بإقصاء أو استبعاد أي طرف، وأن ترتيبات تسوية الأزمة ستتم بمشاركة جميع الأطياف والاتجاهات الوطنية، بما يعني أن هناك (نافذة فرصة) للتيارات الإسلامية للاستمرار في المشاركة في العملية السياسية، والرسالة المقابلة أن اللجوء إلى العنف والمواجهة سيؤدي إلى تبديد هذه الفرصة.

حتى ما قبل لحظات من البيان الذي أصدرته القوات المسلحة المصرية الذي أنقذ مصر من أزمتها، ورسم ملامح المرحلة الانتقالية، كانت قيادة جماعة الإخوان المسلمين ترى أن تظاهرات أكثر من ثلاثين مليوناً في ميادين مصر وشوارعها، حرباً على الإسلام. قيل هذا الكلام كثيراً خلال النصف الثاني من السنة التي حكم فيها الدكتور محمد مرسي، ولا سيما بعد الإعلان الدستوري الذي كان الهزّة الأولى لجذور حكم الجماعة، وكان الحديث عن العداء للإسلام قابلاً للنقاش والأخذ والرد. هذا الحديث كان مقنعاً لمن لديهم عاطفة دينية خالصة، وخصوصاً في الريف والعشوائيات المقامة على ضواحي المدن. في تلك المرحلة كان الاتهام يطول رموزاً وقيادات أحزاب، وربما كوادر ونشطاء بالعشرات أو المئات، عارضوا سياسات مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين. لكن في 30 حزيران وما بعده، وخروج هذا الطوفان غير المسبوق في التاريخ البشري، فإن تكرار هذا الاتهام كان يعني هروباً للأمام وإطلاقاً لاتهامات بلا دليل والغوص في نظريات المؤامرة، بدلاً من مواجهة الواقع ومعالجة مشاكله كرجال دولة.

ما بين تسلّمها السلطة وفقدانها، وقعت جماعة الإخوان في خطأين قاتلين، عدا ما رافق هذه الفترة من قرارات وسياسات خاطئة: الأول تسلّمها السلطة منفردة في بلد مأزوم ومحاولتها إقصاء القوى الأخرى من الساحة السياسية، في حين كان الواجب والمنطق السليم يفرض حالة من التوافق على الصعيد الداخلي. الخطأ الثاني الذي وقعت فيه الجماعة هو سوء تقديرها لتظاهرات 30 حزيران، فهي لم تقرأ الرسالة التي وجهها الشعب المصري لها، بل رأته مجرد حشد تستطيع أن تقوم بحشد مماثل مقابله. أمِلَ الجميع ألا تقع الجماعة في الخطأ القاتل الثالث الذي هو العناد وعدم التسليم بالواقع الجديد.

 

خريطة طريق 3 تموز

مع اقتراب مهلة المؤسسة العسكرية من الانتهاء، واستمرار التظاهرات الرافضة لحكم الإخوان، ودفع الجماعة بمؤيديها يوم 2 تموز إلى الشارع، جاءت كلمة الرئيس محمد مرسي ليؤكد فيها تمسكه بالشرعية الانتخابية، ورفضه إنذار الجيش، بل وتلويحه بالعنف ضد الرافضين للشرعية، وهو ما دفع الوضع إلى التأزم مع وجود عنف متبادل، وسقوط قتلى وجرحى، الأمر الذي جعل القوات المسلحة تستبق انتهاء المهلة باجتماعها بالقوى الوطنية والسياسية والأزهر وبطريرك الكرازة المرقصية لتتخذ قرارات 3 تموز التي أسست لمرحلة جديدة في الثورة المصرية.

 

أهم بنود البيان الثاني

للقوات المسلحة

لقد تقرر في بيان القوات المسلحة والقوى السياسية، تعيين رئيس المحكمة الدستورية رئيساً للبلاد، وتعطيل العمل بالدستور بشكل مؤقت، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وتشكيل حكومة توافق وطني قوية، وتشكيل لجنة تضم جميع أطياف المشهد السياسي لمراجعة التعديلات الدستورية، ومناشدة المحكمة الدستورية العليا إقرار مشروع قانون مجلس النواب، ووضع ميثاق إعلامي يكفل حرية الإعلام ويحقق المصداقية والحيدة، والعمل على دمج الشباب، وتشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية من شخصيات تتمتع بالمصداقية وتمثل مختلف التوجهات والآراء في المجتمع المصري. وهي القرارات التي لقيت ترحيب المتظاهرين في الشارع، كما أنه بمقتضاها عُزل الرئيس مرسي.

ويمكن القول إن أزمة 30 حزيران أعادت القوات المسلحة إلى واجهة السياسة المصرية، غير أنها أشّرت إلى الدور الحاسم الذي تلعبه هذه المؤسسة في بنية النظام السياسي المصري ما بعد الثورة. فعلى الرغم من أن جماعة الإخوان ومؤيديها قد رأوا في تحرك المؤسسة العسكرية انقلاباً عسكرياً على الشرعية، فإن مشهد هذا التحرك المدعوم شعبياً لنزع فتيل الأزمة، لم يكن إلا استكمالاً لدور المؤسسة العسكرية المركزي منذ ثورة 25 كانون الثاني 2011.

فقد أدارت المؤسسة العسكرية البلاد في عام ونصف، ولم يؤدِّ تغيير قيادتها عقب انتخابات الرئاسة 2012 إلا إلى تغيير موقعها في بنية القرار، وإن لم يغير من حجمها، فهي الجزء الأبرز في معادلة الحكم القائم في مصر. ويتضح هذا حتى قبل 30 حزيران عندما دعت المؤسسة العسكرية إلى الحوار بين الفرقاء السياسيين، عقب احتدام الأزمة بين الإخوان والرئاسة من جهة، والقوى المدنية عقب الإعلان الدستوري المثير للجدل في تشرين الثاني 2011. كما جاء تحركها الأخير في سياق استجابة الدعوات الشعبية للجيش بأن يتحرك للضغط على الرئاسة والحكومة، وصولاً إلى عزل مرسي، وتولي دفة الأمور، وهو ما كان.

ويبقى أنّ تحرّكَ المؤسسة العسكرية في 30 حزيران قد راعى هفوات وأخطاء مدة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة (شباط 2011/ حزيران 2012) وهي فترة اتسمت بالتخبط، إذ شهدت هذه الفترة دخول القوات المسلحة في مواجهات على الأرض مع المتظاهرين، وهي العوامل التي أدت إلى تآكل في شعبيتها لدى قطاعات من المجتمع.

ويبدو أن المؤسسة العسكرية ممثلة في قيادتها الحالية (الفريق الأول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع) قد عملت على تلاشي الدخول في أي مواجهة مع القوى الثورية والمتظاهرين، واختارت دعم مظاهرات 30 حزيران في مواجهة الرئاسة ومكتب إرشاد الإخوان المسلمين، وهو العامل الذي يستبعد عودة الحكم العسكري المباشر، طبقًا لخريطة الطريق التي يرعاها الجيش دون أن يكون طرفاً فيها. وهو ما يؤكد سيناريو استمرار الدور (البريتوري) * للجيش في أي نظام سياسي مدني مقبل، بمعنى غياب فعالية السلطة السياسية المدنية، والحاجة إلى جهاز قوي يفرض النظام.

 

الخيار الجزائري

للأزمة المصرية

يبدو من تطورات الأحداث التي تجري في مصر أن الإخوان المسلمين قد قرروا مجابهة الجيش وملايين المعارضين بحجة الدفاع عن الشرعية الانتخابية! الأمر الذي سيفتح الأبواب على مصراعيها أمام الخيار الجزائري الذي برز في أوائل التسعينيات من القرن المنصّرم، والذي فجّر حرباً أهلية دموية في الجزائر دامت أكثر من عشر سنوات. وقد حدثت هذه الحرب حين ردّت التيارات الإسلامية المتطرِّفة على تحرّك الجيش لوقف العملية الانتخابية التي أدت إلى وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم بتفجير أعمال العنف، وجرّت معها إلى المعمعة التيارات الإسلامية المعتدلة، وكانت حصيلتها النهائية مئات آلاف القتلى والجرحى، وعدم تمكُّن الجزائر حتى الآن من إرساء صيغة مستقرة للحكم تحظى بالإجماع الوطني.

هذا الخيار الجزائري سيبرز إذا ما بادر الجهاديون المصريون إلى تنفيذ تهديداتهم باستخدام (الحديد والنار) لحماية شرعية مرسي. إذ حينذاك لن يُفرِّق الجيش المصري ولا أكثرية الشعب، الذي يلوذ الآن بشعار (تمرد)، بين الجهاديين والإخوان، وستكون المسألة مسألة وقت قبل أن تعود مصر إلى عهد سلطوي – عسكري – أمني جديد أشد وطأة من نظام مبارك.

قد يقال هنا إن الحديث عن حرب أهلية في مصر ليس وارداً، لأن بنية الدولة قد استقرت في هذا البلد منذ سبعة آلاف سنة وأن مجتمعه متناسق ومتناغم، مع ملاحظة بوادر فتنة طائفية بين الأقباط والمسلمين تطل رأسها عندما تأزمت الأوضاع السياسية في مصر. لكن يجب أن لا ننسى أن التاريخ يعلمنا أن هناك دائماً (مرة أولى) تحدث فيها الأمور.

* المجتمع أو الدولة البريتورية  Praetorian Statute هي الدولة التي تعد فيها الجيوش المصدر الوحيد للتأييد السياسي والشرعية. معنى ذلك أن البريتورية هي ذلك الموقف الذي تصير فيه الطبقة العسكرية في مجتمع ما القوة السياسية المستقلة، وذلك إما بالتهديد باستخدام القوة أو باستخدامها فعلاً.

العدد 938 - 02/12/2020