الرحيل المبكّر

أظهرت التطورات في المنطقة العربية، في الأعوام الثلاثة الماضية، فشل المشروع الإسلامي الذي ساندته دول إقليمية ودولية، ودعمته مادياً وسياسياً وإعلامياً. وقدَّمت مليارات الدولارات لإنجاحه في عدة بلدان عربية خاصة في مصر.

إن مشروع أسلمة المنطقة هو جزء من مخطط الولايات المتحدة وحليفاتها (فرنسا وبريطانيا). ومن أبرز نتائج هذا الفشل الموقف الشعبي المعادي للولايات المتحدة، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية. والدفاع عن القرار المستقل والسيادة الوطنية. والاعتراف بأن صندوق الانتخاب لا يحقق الديمقراطية كما يتصور الواهمون.

ولم (يقبل) كرسي الرئاسة في مصر، أن يستضيف الرئيس الإخواني محمد مرسي أكثر من عام واحد، وسرعان ما تخلعت قاعدته ولم يتحمل هذا الإزعاج، وأحلام الرئيس الواهم أن باستطاعته أن يحرف الجيش المصري عن خطه الوطني والقومي، وتحريضه ضد الشعب السوري والدولة السورية والتدخل في الشؤون الداخلية، وذلك لإرضاء سادة البيت الأبيض وحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين والدوليين، وما يحقق له الاطمئنان على البقاء في سدة الحكم حتى نهاية الدورة، وربما يؤمن له دورة رئاسية ثانية.

كانت الأيام الأربعة (30 / 6 – 3 / 7) أيام ثورة الشعب المصري.. ثورة عشرات الملايين الذين توحدوا تحت راية واحدة هي (علم مصر) وتحت شعار واحد هو (ارحل يا مرسي).

لقد تبلور الصراع بأبعاده الفكرية والسياسية بين القوى الوطنية من مختلف الاتجاهات الليبرالية والناصرية والتقدمية والماركسية وقطاعات واسعة من الوطنيين المستقلين، تؤيدها وتدعمها الجماهير الشعبية والمنظمات النقابية والمهنية والأدبية والثقافية، وبين القوى الإسلامية من الإخوان المسلمين والرجعية المصرية والكومبرادور والسلفيين وبقايا نظام مبارك البائد.

وقد حددت القوات المسلحة المصرية موقفها المشرف، بعدم التساهل مع الذين انحرفوا عن الخط الوطني، وعن الأخطاء القاتلة التي ارتكبها نظام محمد مرسي في عام واحد بحق الشعب المصري، خاصة علاقته مع العدو الإسرائيلي ودعوته العدائية ضد سورية، وإفتائه للجهاد فوق الأراضي السورية.

وفشلت سياسة التهديد والتحدي، واضطر للاعتراف بأخطائه خلال هذه السنة من حكمه، والتخفيف من غضبه وهيجانه، فأعلن أمرين اثنين: الأول، أن لا بديل عن الشرعية الدستورية والقانونية. والثاني، فتح باب الحوار وتشكيل لجنة للمصالحة وحكومة ائتلافية، وتعديل الدستور وإصدار قانون انتخابات.

وقد حسم البيان الموجز الصادر عن القوات المسلحة مساء الثالث من تموز، الموقف النهائي بعزل الرئيس الذي رفض عرضاً بمغادرة مصر إلى أية جهة يختارها. وتكون قد انتصرت إرادة الشعب المصري وحريته وكرامته..  وتحولت ساحات المدن وشوارعها إلى أعراس.. ونجحت سِلْمية الثورة على الرغم من بعض الجهات التي حاولت أن تثير الفتنة والاقتتال بين أبناء الوطن الواحد.

ووضعت خريطة مستقبل مصر بلا إخوان وسلفيين. وكُلف رئيس المحكمة الدستورية بإدارة شؤون البلاد، وتشكيل حكومة مؤقتة. وحلَّت الشرعية الثورية محلّ عدم شرعية الإخوان المسلمين.

وقدّم الشعب المصري عشرات الشهداء ومئات الجرحى. وظل يرفع الأعلام والشعارات الوطنية ويهتف لمصر(أم الدنيا) ، ولم ينجرّ إلى ردود الأفعال ومقابلة العنف بالعنف، برغم الاستفزازات من الجماعات الإسلامية ومن حزب الحرية والعدالة.

لقد انتهت ثقافة الحلال والحرام، وظلّت (مصر هبة النيل) شامخة بشعبها وتنوّعها الاجتماعي والسياسي وعراقة حضارتها، ورفضها بقوة سياسة الإقصاء وفرض الوصاية عليها.. وغدت النموذج الذي يحتذى به في المنطقة  من أجل التغيير الثوري الديمقراطي.

العدد 938 - 02/12/2020