الأمريكيون صُدموا… والأتراك فوجئوا ملايين مصر أفشلوا مخطط الاحتواء الأمريكي

لم يصبر المصريون طويلاً على النموذج الذي سوقته الإمبريالية الأمريكية وشركاؤها في المنطقة، لاحتواء هبّة الجماهير في شوارع المدن العربية. فالباحثون عن الديمقراطية والتعدد واجهوا في مصر تسلط الإخوان على مفاصل الدولة، فلم يوفروا مؤسسة، أو محافظة، أو جهازاً إعلامياً دون السيطرة عليه أو تخوينه.. والغاضبون من الفقر والتهميش الاجتماعي والسكن في المقابر والأعشاش، وجدوا في تسلط الإخوان مزيداً من العوز، وربما الجوع، إذ راحت حكومة مرسي تبحث عن رفاهية الشعب المصري في زواريب صندوق النقد والمصرف الدوليين، وفي عطايا مشيخة قطر (العظمى)، بدلاً من استخدام موارد مصر العظيمة، بدءاً من النيل، مروراً بالقناة التي حفرت بأظافر المصريين، وانتهاء بإرثها السياحي والثقافي.

أما الباحثون عن عودة مصر إلى دورها العربي المعادي للصهيونية والاستعمار والهيمنة، والذين انتفضوا ضد انبطاح نظام مبارك أمام المخططات الأمريكية الصهيونية لتصفية القضية الفلسطينية، وتسهيل دخول إسرائيل إلى عمق المنطقة العربية.. فقد قدم لهم حكم مرسي نموذجاً خاصاً من الحكم الفئوي المدعم بالفتاوى، والذي يتمسك بالسلطة ولو تطلب ذلك المصالحة والتعاون لا مع إسرائيل فقط، بل مع الشيطان نفسه، واستعداء الشعوب العربية، كما فعل مرسي في قطع علاقاته مع سورية واستعداء الجيش المصري عليها. هذه الأنظمة السياسية (الصديقة) روّجت لها الإمبريالية الأمريكية، وراحت تحاول فرضها بالإقناع أولاً، عن طريق حليفتيها في المنطقة قطر وتركيا، للجم انتفاضة الشباب العربي في المغرب والمشرق، وعندما فشلوا في إقناع الشعوب العربية بالعودة إلى ما قبل النهضة والتنوير، عملوا على دفع الأمور باتجاه الفوضى الشاملة، مستغلين المشاعر الدينية والطائفية للشعوب العربية في مصر وتونس.. استغل الإخوان وأشباههم تشتت القوى السياسية الثورية والديمقراطية، لكن الشعب المصري انتفض من جديد، والجماهير التونسية بدأت النزول إلى الشوارع.. ملايين مصر العظيمة قالوا كلمتهم: لا لحكم الإخوان المسلمين، وإن وصلوا عبر صناديق الاقتراع في غفلة من القوى الثورية والديمقراطية، فأعطوا العالم درساً في النضال من أجل الديمقراطية (الحقيقية) التي تلبي المتطلبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، والتي تأتي صناديق الاقتراع واحداً من شروطها، لكنها لا تختزلها.

القوات المسلحة المصرية، كما صرح قائدها، لا تسعى إلى الحكم، لكنها لن ترضى بحكم الإخوان الذي تجاهل مطالب الملايين. وجاء بيان الجيش المصري في سياق طمأنة القوى السياسية المصرية المتوجسة من عودة العسكر إلى الحكم، وإفشال طموح الملايين إلى دولة مدنية ديمقراطية تعيد إلى مصر ألقها وعظمتها.

الإخوان دعوا أنصارهم إلى المقاومة، والمنظمات السلفية الجهادية بدأت تتحرش بالجيش المصري، وهم يوجهون إنذارات تتضمن إغراق البلاد ببحور الدماء، لكن الملايين التي أسقطت مرسي مازالت في الشوارع، لتدعم التغيير وتحمي وثبتها الديمقراطية السلمية.

الأمريكيون صدموا برحيل حكم المرشد، الذي أرادته مثالاً يحتذى في بقية الدول العربية.. فقد عقدت آمالاً كبيرة على احتواء الانتفاضات الجماهيرية العربية المعادية للاستعمار والصهيونية والتسلط والحكم الشمولي، بأنظمة تدغدغ المشاعر، لكنها لا تلبي المطامح.. أما العثمانيون الجدد الذين انشغلوا عن أزماتهم، وشراكاتهم، بترويج الأنظمة البديلة في الوطن العربي، والتي يفاخرون بأنهم أفضل تجلياتها وإنجازاتها، فقد واجهوا غضب الشارع التركي المؤيد للديمقراطية والعلمانية، وها هي ذي ملايين المصريين تأخذ نماذجهم رويداً رويداً إلى متحف التاريخ.

جماهير الشعب السوري رأت في سقوط حكم الإخوان في مصر دعماً لنضالها في رفض مخططات الاحتواء الرجعية المغلفة بشعارات ديمقراطية، وهي ماضية في مقاومة كل تدخل في خياراتها الوطنية المتمثلة في التغيير السلمي نحو الديمقراطية والعلمانية، عبر حوار وطني شامل.

العدد 938 - 02/12/2020