الزواج المدني… آثاره ونتائجه

أثار موضوع الزواج المدني مؤخراً جدلاً كبيراً في الأوساط الاجتماعية، فانقسمت الآراء حوله بين مؤيدين ومعارضين، حيث رُفِض من قبل رجال الدين، في حين لقي تأييداً من قبل تيارات المجتمع المدني، لذلك لابد لنا من معرفة ماهو الزواج المدني؟

إن الزواج المدني هو عقد زواج بين شريكين موثق العهد  في مقر رسمي  (المحكمة)،يقوم على الرغبة  المتبادلة في تأسيس أسرة  مشتركة، ويتم تسجيله في سجلات الدولة، وهو خاضع بشكل كامل للقواعد القانونية التي حددها المشرع، والتي لا يجوز للأفراد مخالفتها.وقد يضمن هذا العقد حقوق كلا الزوجين بالمساواة، ويُسقط كلّ الفوارق الدينيّة والمذهبيّة بين رجلٍ وامرأةٍ يريدان الارتباط يبعضهما، وقد يجمع شريكين من الطائفة نفسها إن كانا يؤمنان بالعلمنة مما دفع بالبعض إلى اقتراح الأخذ بالزواج المدني بهدف إيجاد الحلول القانونية لبعض المشاكل الأسرية كالطلاق والحضانة والنفقة والإراءة  وغيرها، فالزواج المدني لا يلغي الزواج الديني، ولكنها تبقى حرية شخصية، أي يجوز بوجود الزواج المدني أن يختار الشخص زواجاً دينياً أو زواجاً مدنياً حتى ولو كان الطرفان من نفس الدين،  أي ما يسمى (الزواج المدني الاختياري) .يعد هذا الزواج علمانياً انطلاقاً من مبدأ فصل الدين عن الدولة، فهو عقد عادي يتم تثبيته بالمحاكم المدنية يستطيع كلا الطرفين أن يضعا الشروط التي يريدانها بدون الرجوع أو الخضوع إلى أي مانع ديني، طالما أن شروطهم قانونية.

أما بالنسبة لمؤسسة الزواج في القانون السوري:

 فمازالت التشريعات الناظمة للزواج   تتبع قانون الأحوال الشخصية السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 59 لعام 1953 والذي لا يزال معمولا به بالرغم من مساوئه العديدة، لأن  هذا القانون يعتبر امتدادا للقانون الصادر عام 1917 من طرف المشرّع العثماني في الأراضي السورية واللبنانية. وبالرغم من أنّ الدولة التركية ألغته واستبدلته عام 1925 بالقانون المدني التركي المستمد بشكل رئيسي من القانون المدني السويسري، فإن سورية لا تزال متمسكة به حتى يومنا هذا، وتتنوع مصادره، إلا أنه يمكن إسنادها بشكل أساسي إلى أحكام المذهب الحنفي، وتٌشير المادة 308 المعدلة حديثاً بموجب المرسوم التشريعي رقم 76 لعام 2010 على أنّه زيطبق بالنسبة إلى الطوائف المسيحية واليهودية ما لدى كل طائفة من أحكام تشريعية دينية تتعلق في الخطبة وشروط الزواج وعقده، والمتابعة والنفقة الزوجية ونفقة الصغير وبطلان الزواج وحله وانفكاك رباطة، وفي البائنة (الدوطة) والحضانة، والإرث والوصيةس. وبالنتيجة، يحتكم المسيحيون إلى شرائعهم الكنسية في مجال الأحوال الشخصية، بينما يطبّق المسلمون التشريعات المستقاة من الشريعة الإسلامية، أمّا أتباع الطائفة الدرزية فيحتكمون أيضاً في سورية إلى تشريعاتهم الدينية الخاصة بهم. بالإضافة إلى هذه التشريعات، تتنوع المحاكم الدينية بحسب تبعية المواطنين الدينية والطائفية، فتوجد المحاكم الروحية للمسيحيين والمذهبية للدروز والشرعية للمسلمين، ولذلك تتسم منظومة قوانين الأحوال الشخصية في سورية بتكريسها للطائفية وزعزعة الاستقرار القانوني، فضلا عن انتهاكاتها المستمرة للحقوق الأساسية للإنسان، وخاصة الحرية الدينية والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات أمام القانون والقضاء. فيتم بداية تطبيق هذه التشريعات الدينية على غير المؤمنين بالديانات التوحيدية والعلمانيين وحتى البهائيين وشهود يهوى وغيرهم من المنتمين إلى أقليات دينية غير معترف بها رسميا. أنّ استصدار هذه التشريعات من طرف رجال دين فيه اعتداء على سلطة الدولة التي من المفترض أن تكون صاحبة الحق الأساسي والحصري بالتشريع.

فهل سيتحقق حلم الزواج المدني يوماً في سورية؟

إنه ليس مطلباً جديداً، بل هو مطلب شريحة واسعة من المجتمع السوري العلماني، والذي يريد سورية علمانيه ولا يريدها أن تذهب بإتجاه التطرف الديني والمذهبي، ولكن يتعرض الذين يطالبون بقانون الزواج المدني إن كانوا أشخاص أو جمعيات أو مجموعات شبابية، إلى حملة شرسة عليهم، وهجوم من قبل رجال الدين من شتى المذاهب والطوائف والأديان، و على كل من يتبعهم، حتى وصل الحال   إلى تكفير كل من يطالب بالزواج المدني، واتهامه بالإلحاد على الرغم  من أنه أكثر من مرة يجرى تصويت على شبكة الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لمعرفة من مع أو ضد  قانون الزواج المدني، وهنالك الكثير  من السوريين يريدون الزواج المدني بحيث يستطيع كل شاب أن يختار بين الزواج المدني والزواج الديني.

إن التحول إلى قانون الزواج المدني يتطلب جهودا مكثفة وبرامج توعية اجتماعية وحقوقية من قبل منظمات وهيئات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة، والسعي إلى تغيير القوانين والمفاهيم السائدة،  فالزواج المدني يقوم على حرية الاختيار بين طرفين راشدين يتمتعان بالحقوق والواجبات نفسها، وهو في النهاية مسؤولية فردية ويدخل في إطار الحقوق الفردية أو الشخصية للإنسان، أن قانون زواج مدني لا يعني قطعاً الفوضى والإباحية وانتهاك القيم والأخلاق العامة، وإنما شرعنة وقوننة واقع قائم ومفروض وتنظيم هذا الواقع في إطار قانوني، من ضمنه من واجب أو من حق الدولة التدخل بشكل رسمي بتفاصيل وشروط عقد الزواج، فللزواج نتائج هامة تتعلق بحقوق الأطفال، والإرث  وضمانات اجتماعية ومضاعفات سلبية لطلاق ما. لذا يمكن للدولة فرض قواعد وتنظيم عقود الزواج المدني وفق أسس ومبادئ تضمن حماية حقوق الطرفين وخاصة حقوق الأطفال والمرأة غير العاملة في حال حصوله في سورية.

العدد 928 - 23/09/2020