الجينوم البشري أكثر تعقيداً مما كان يُظن

خلال فترة طويلة من الزمن بقي العلماء على اعتقادهم بأن 2% فقط من الجينوم البشري هو الذي يحدد طبيعتنا عن طريق تشفير حموضنا الأمينية، في حين أن القسم الأعظم من هذا الجينوم، الذي يدعى قمامة الحمض النووي، ليس لديه أي وظيفة، لكن الأبحاث الجديدة في إطار المشروع الدولي الكبير (موسوعة عناصر الحمض النووي ENCODE) تنقض هذا الرأي، فقد بيَّن العلماء وظائف نحو 80% من الجينات، التي تبيَّن أن معظمها فعال بيولوجياً.

انطلق مشروع الموسوعة في عام ،2003 ومنذ ذلك التاريخ شارك في العمل عليه أكثر من 400 عالم من 32 مخبراً في بريطانيا والولايات المتحدة وإسبانيا وسنغافورة واليابان، أما هدف المشروع فهو فك شيفرة الجينوم البشري على نحو كامل.

ومن خلال إجراء تحليل بيوكيميائي معمَّق ل 147 نوعاً من الخلايا، فقد عرف الباحثون دور كل جينة من ثلاثة مليارات جينة، وجرى نشر نتائج الأبحاث في مقالات كثيرة العدد طبعت في مجلات الطبيعة وأبحاث الجينوم وبيولوجيا الجينوم.

وللتذكير، فإن الجينات هي قطاعات صغيرة من جزيئات الحمض النووي، وهي تحوي في داخلها معلومات عن الحموض الأمينية التي تشكل خلايا الجسم، لكن قسماً صغيراً من الجينات يشارك مشاركة مباشرة في إنتاج الحموض الأمينية.

وقد أظهر العلماء الآن أن بقية الجينات تلعب أيضاً دوراً هاماً، فهي على سبيل المثال تقوم بدور المبدلات من خلال تفعيل الجينات المُشَفرة وتوقيفها عن العمل، وهذه الجينات المُنظمة يمكن أن تكون قريبة من الجينات المتحكم بها، كما يمكنها أن تكون بعيدة عنها. ومن خلال عملها هذا فإنها تفعل توفيقات متميزة من الجينات في مختلف أنماط الخلايا، مما يجعل خلايا الكبد على سبيل المثال بعيدة الشبه عن خلايا الدماغ.وفي إطار مشروع الموسوعة أنجز الباحثون خريطة إلكترونية للجينوم البشري، وبوساطة هذه الخريطة يمكن للباحث أن يُقرِّب من ناظريه أي قطاع يهمه من الحمض النووي كي يعرف طبيعة عمله، وكي يفهم كيف تقوم هذه الخاصية الوراثية أو تلك بتحديد مدى قابلية المرء للإصابة بمختلف الأمراض. وخلال سير الأبحاث فقد لاحظ الباحثون أن أسباب مجموعة من الأمراض المرتبطة بتبادل المواد وبالمستوى المرتفع للكولسترول موجودة بالضبط في تلك القطاعات من الحمض النووي، التي تقوم بوظيفة المبدلات.

ويأمل العلماء أن يدرسوا في المرحلة اللاحقة من العمل عدداً أكبر من الخلايا، كي يحددوا بدقة الجينات التي يجري التحكم بها من كل مبدلة.

تغير الأبحاث الجارية تغييراً كاملاً تصوراتنا عن الجينوم، وتفتح طرقاً جديدة لاستخدام هذه المعلومات، لكن مع ذلك فإن الباحثين يشيرون إلى أن الاستخدام الفعلي للنتائج الحاصلة ما يزال بعيد الأمد، وإن كانت خريطة الجينوم البشري ستشكل أساساً لكثير من الأبحاث في مجال الطب.

العدد 1112 - 26/6/2024