الموارد الطبيعية… من نقمة إلى نعمة!

تثير الاكتشافات الجديدة للموارد الطبيعية في سبعة بلدان إفريقيّة، بضمنها أوغندا وتنزانيا وموزامبيق، تساؤلاً بالغ الأهمية. هل ستكون هذه الثروات الفجائية بركةً تجلب الازدهار والأمل، أم لعنةً سياسيةً واقتصاديةً كما هي الحالة في بلدان عدة؟ بالمعدل، كان أداء الدول الغنية بالموارد أسوأ حتى من أداء الدول المحرومة منها. فقد نمت تلك البلدان بصورة أبطأ، فضلاً عن أن ذلك ترافق مع اتساع رقعة اللامساواة، أي بعكس المنحى الذي قد يتوقعه المرء. بالنهاية، فرض ضرائب بمعدلات عالية على استغلال الموارد الطبيعية لن يتسبب في اختفائها. وهذا يعني أن البلدان التي تمثل الموارد الطبيعية المصدر الرئيسي لإيراداتها تستطيع استعمالها لتمويل التعليم والرعاية الصحية، والتنمية وسياسات إعادة توزيع الثروة. لقد تراكمت قاعدة ضخمة من البحوث في العلوم الاقتصادية والسياسية إلى الحد الذي يسمح لها بتفسير (لعنة الموارد) هذه. كما تأسست جماعات مجتمع مدني مثل جماعتَيْ (مراقبة الموارد)، و(مبادرة شفافية الصناعات الاستخراجية) في محاولة للتصدي لها.

والحال أن ثلاثة من المكونات الاقتصادية لهذه اللعنة معروفة جيداً، وهي:

أولاً: تميل عملات الدول الغنية بالموارد الطبيعية إلى القوة، ما يسبب عرقلةً للصادرات الأخرى.

ثانياً: لأن استخراج الموارد عادةً ما ينطوي على قدر ضئيل من الابتكار الوظيفي، فإن معدلات البطالة تشهد ارتفاعاً.

ثالثاً: يؤدي تقلب أسعار الموارد إلى عدم استقرار النمو، مدفوعاً بالمصارف التي تسارع إلى الدخول عندما تكون أسعار السلع الأساسية مرتفعة، ثم الخروج أثناء فترات الركود. وهو ما يعكس، فعلاً، قاعدة ثابتة عبر الزمن، وهي أن (المصارف تقرض فقط أولئك الذين هم ليسوا في حاجة إلى أموالها).

أضف إلى ذلك، أن البلدان الغنية بالموارد كثيراً ما تتقاعس عن تبني استراتيجيات النمو المستدام. فهي تفشل في إدراك أنها إذا لم توظف مجددًا ثروة مواردها في استثمارات منتجة فوق الأرض، فإنها في الواقع تصبح أكثر فقراً. ويؤدي خلل الأداء السياسي إلى تفاقم المشكلة، مع نشوء حكومات فاسدة وغير ديمقراطية بسبب الصراع من أجل الاستئثار بريع الموارد الطبيعية. ثمة علاجات معروفة لكلّ واحدة من هذه المشكلات؛ وهي: خفض سعر الصرف، إنشاء صندوق للاستقرار، الاستثمار بحذر في عائدات الموارد الطبيعية (وبضمنها الاستثمار في البشر)، وفرض حظر على الاقتراض والشفافية (بحيث يتمكن المواطنون، على الأقل، من رؤية حركة الأموال الداخلة والخارجة). ولكن هنالك توافقاً متنامياً حول عدم كفاية هذه الإجراءات رغم ضرورتها. فالبلدان التي اغتنت حديثاً تحتاج إلى اتخاذ عدة خطوات إضافية لزيادة احتمال حلول (نعمة الموارد).

من هذه الخطوات، مثلاً، أن تفعل المزيد لضمان حصول مواطنيها على القيمة الكاملة للموارد. ثمة تضارب لا مناص منه في المصالح بين شركات الموارد الطبيعية، (غالباً ما تكون أجنبية)، والبلدان المضيفة. فالأولى تريد تقليص حجم مدفوعاتها، على حين تريد الثانية تعظيمه. ويمكن للمزادات التي تتسم بجودة الإعداد والشفافية جلب إيرادات أكثر بكثير مما تجلبه من الصفقات المغرية. كما يجب أيضاً أن تتميز العقود بالشفافية وأن تضمن عدم ذهاب المكاسب الفجائية التي تنجم عن ارتفاع الأسعار (كما حدث ذلك مراراً) إلى الشركة فقط. لكن، لسوء الحظ، وقّع عدد من تلك البلدان بالفعل عقوداً سيئة تعطي حصصاً غير متكافئة من قيمة الموارد للشركات الخاصة الأجنبية. مع ذلك ثمة حل بسيط يتمثل في إعادة التفاوض. وإذا تعذر ذلك فعلى البلد المعني فرض ضريبة أرباح على هذا النوع من المكاسب المتحققة دون مقابل أو جهد. وفي مختلف أرجاء العالم تقوم البلدان بذلك. طبعاً، سوف تقوم شركات الموارد الطبيعية بمقاومة مثل هذه الضريبة، والتذرع بقدسية العقود والتهديد بالرحيل من البلد المعني.

إلا أن النتيجة عادةً ما تكون غير ذلك. فإعادة التفاوض على أسس عادلة ستؤدي إلى نشوء علاقة أفضل في الأمد البعيد. ففي (بوتسوانا)  مثلاً، أرست عمليات إعادة التفاوض حول مثل هذه العقود قواعد نموها اللافت خلال العقود الأربعة الماضية. ولا تقتصر عمليات إعادة التفاوض على دول نامية فقط، مثل بوليفيا وفنزويلا؛ فهناك دول متقدمة؛ كأستراليا، فعلت الشيء ذاته. بل وحتى الولايات المتحدة فرضت ضريبة على الأرباح غير المتوقعة. وعلى المقدار ذاته من الأهمية، فإن المال الذي يتم الحصول عليه من خلال الموارد الطبيعية يجب استخدامه لتعزيز التنمية. في الماضي، كانت القوى الاستعمارية القديمة تنظر إلى إفريقيا ببساطة بوصفها مكاناً تستخرج منه الموارد. واليوم يتبنى بعض المشترين الجدد الموقف ذاته. لقد كانت القوى الاستعمارية تستثمر في مشاريع البنية التحتية، (طرق، وسكك حديدية وموانئ)، واضعةً نصب عينها هدفاً وحيداً هو: إخراج الموارد من البلاد بأدنى تكلفة ممكنة، مع عدم بذل أي جهد لتصنيعها في الداخل، ناهيك بتطوير الصناعات المحلية التي تعتمد عليها.

إن التنمية الحقيقية تتطلب استكشاف جميع العناصر المرتبطة بموضوع الموارد، مثل تدريب العمال المحليين وتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم لتوفير المدخلات اللازمة لعمليات التعدين ولشركات النفط والغاز والمعالجات التصنيعية المحلية ودمج الموارد الطبيعية دمجاً كاملاً في الهيكل الاقتصادي للبلاد. لا شك أن هذه البلدان اليوم قد لا تتمتع بميزة نسبية في العديد من هذه الأنشطة، وسوف يزعم البعض أن الدول لابد أن تتمسك بأسباب قوتها. وهذا خطأ. إن ما يهم هو وجود ميزة نسبية ديناميكية أو ميزة نسبية في المدى البعيد يمكن تشكيلها. فقبل 40 عاماً كانت لدى كوريا الجنوبية ميزة تنافسية في زراعة الأرز. ولو أنها في ذلك الوقت اكتفت بتلك الميزة لما كانت قد أصبحت العملاق الذي هي عليه اليوم. ستقول الشركات لغانا وأوغندا وتنزانيا وموزامبيق: عليكم أن تعملوا بسرعة. ولكن هناك من الأسباب الوجيهة ما يجعلها تتحرك بقدر أعظم من الروية.: فالموارد لن تختفي، وأسعار السلع تتصاعد. في غضون ذلك، يمكن لهذه البلدان أن تعد ما تحتاج إليه من مؤسسات وسياسات وقوانين لضمان استفادة كل مواطنيها من مواردها. ينبغي للموارد أن تكون نعمة لا نقمة. وهي غاية ممكنة، لكن ذلك لن يحدث وحده، وبسهولة.

جوزيف ستيغليتز

عن: (Nation of Change) 

ت: عادل بدر سليمان

العدد 1112 - 26/6/2024