الحملات التسويقية… الفاشلة

كم من المرات سمعنا عن منتج طالت استدامته في سوقنا السورية؟ ولكنني بشكل خاص لم أرَ أياً من المنتجات ذات العمر الطويل أي ما يسمى Product Lifecycle فلكل مُنتج دورة حياة عليه أن يخوض فيها قبل أن تنتهي مدة صلاحيته أو يحين الوقت لاستبداله.

ويكمن الاعتماد في تسويق هذا النوع من المنتجات وتطويرها بما يتناسب مع احتياجات السوق، وبالنظر إلى السوق السورية التي تعد سوقاً تنافسية (Emerging Market) فالمستهلك السوري مستهلك متطلب بشكل عام، ويبحث عن الأفضل دائماً بشكل خاص، ولكن الكثيرين من رجال الأعمال أجمعوا عند سؤالي لهم، أن السعر دائماً يأتي في المقدمة، وخصوصاً حسب ترتيب الشرائح السوقية في سوق سورية. حيث نرى أن الطبقة المستهلكة ذات المدخول الوسط إلى القليل هي الفئة الغالبة.. فأين المشكلة إذاً؟

في سياق حديثنا، سأتطرق إلى مثال قامت به شركة (س)، إذ طرحت منتجاً مطلوباً بشكل قوي في سورية، ولدعم هذا المنتج قامت الشركة بحملة تسويقية قوية على نطاق الدولة، فنشرت الإعلانات الطرقية في مختلف المناطق والمدن السورية، فأينما تذهب تجد إعلاناً بأن المنتج (متوفر الآن في السوق السورية)، بل وأضافوا (سعراً تنافسياً وضعوه في الإعلان، حتى أصبح الإعلان على كل لسان، ونجحت الفقرة الخاصة بالتسويق عن طريق الكلمة Marketing by the Word of Mouthفي السياسة التسويقية الخاصة بالمنتج المذكور، ولكن للأسف بعد مدة قصيرة نسبياً بدأ المنتج يتهاوى وتراجعت مبيعاته 60% عن معدل نمو المبيعات في الأشهر الثلاثة الأولى.

ليس لنا أن نعزو سبب تدني مبيعات هذا المنتج إلا لعيب في السياسة الإنتاجية أو التسويقية بشكل جوهري. وأرى أن سبب فشل هذه الحملة المتميزة هو عدم الأخذ بالحسبان المتغيرات الإقليمية على الناحيتين السياسية والاقتصادية، وخصوصاً أن المنتج المذكور مؤلف من خلط عدة مواد خام وتأثير العقوبات الاقتصادية على تحريك المواد الأولية إقليمياً.

ومن ناحية أخرى عدم دراسة السوق السورية دراسة كافية، لمعرفة آراء الزبن حول السعر الأنسب قبل الطرح أو القيام باستبيان يوضح مدى تقبل الزبن للسعر المعين، فقد قامت الشركة بطرح المنتج بسعر (عدّته) منافساً، بينما عدته شركات أخرى (ضرباً من الخسارة) على المدى البعيد. ومن جهة أخرى لم تقم الشركة (س) بدراسة أبعاد التغييرات العالمية في أسعار الإنتاج واللوجيستيات وأجور العمال، وخصوصاً أن الاقتصاد العالمي معرض لهزة قوية بسبب إشراف عدد كبير من دول الاتحاد الأوربي على هاوية الانهيار الاقتصادي. وبقراءة تلك المتغيرات نستطيع تكوين فكرة عامة عند طرح أي منتج بعد دمج وضع الاقتصاد السوري في البوتقة الكبيرة.

هذا ما يحصل عادة في حملات التسويق التي لا تندرج تحت الخطة الاستراتيجية العامة للشركة، فمعظم الشركات في منطقتنا عند البدء بأي حملة تسويقية تقوم على مبدأ (إذا ما صابت بتعلم)، فتوضع الخطط والسياسات التي تفتقر إلى أهم جزء وهو التنبؤ Forecasting، وإنشاء تحليل سوقي كمي ونوعي، مع مسح لنوعيات الزبن المستهدفين، ووضع أرقام إحصائية تكون قاعدة للقياس. ومن الممكن البدء بالتعلم من خطط تسويقية سابقة، وذلك بوضع دليل يشير إلى كل الخطط السابقة ويصفها ويشرح أسباب فشلها أو نجاحها، ويدعى هذا التكتيك بالخبرات المكتسبة أو (Lessons Learned) كما يبرع فيها أصدقاؤنا خبراء إدارة المشاريع PM

ما أتمناه فعلاً هو النجاح لكل الشركات التي تعمل على مبدأ وضع خطط وأهداف واستراتيجيات، للبقاء والنمو في ظل الأزمة الحالية التي تعصف بالاقتصاد السوري، والتي تتحدى الشركات على البقاء والاستدامة. وما أتمناه أكثر أن تبدأ هذه الشركات بالتركيز على المشاكل الحقيقية التي تواجه نموها، وذلك بالتركيز على متطلبات السوق، ومتطلبات الزبن، وتقسيم الشرائح الشرائية إضافة إلى تقسيم الزبن إلى طبقات، ومحاولة الوصول إلى كل الطبقات بتعزيز خطوط الإنتاج والخدمات بروافد أكبر ومنتجات أكثر.

 

عبود جورج خضرشاه

شركة (سوني) – قسم التسويق

العدد 1112 - 26/6/2024