كيف يسهّل القانون الانخراط في المجتمعات؟

 عرفت المجتمعات الإنسانية في كل زمان ومكان الهجرة والسفر، فهي من أقدم الظواهر التي ساهمت في إعمار الأرض وتلاقح الثقافات واختلاط المجتمعات. فهي حالة إنسانية واجتماعية عامة، وذلك بحثاً عن حياة أفضل من حيث مورد الرزق والمال ولتحسين الحالة الاقتصادية، وأيضاً تكون الهجرة لأسباب سياسية وطائفية ودينية بحثاً عن حرية الرأي والتعبير، وأيضا لأسباب تعليمية من أجل التحصيل العلمي والمعرفي، وقد تكون بسبب النزاعات المسلحة والاضطرابات.

لذلك يواجه المهاجر او اللاجئ تحديات وصعوبات أهمها الاغتراب الثقافي والاجتماعي والسياسي نتيجة للاختلاف الكبير في الثقافة والعادات والتقاليد والأنظمة والقوانين والأعراف والتقاليد.

فعملية الاندماج للاجئين عملية معقدة وتدريجية تفرض على الفرد متطلبات جسيمة تفرضها الأنظمة القانونية للبلد المضيف، لما لها دور في تسهيل الاندماج أو العيش في عزلة دائمة. يسهل الاندماج في الدول التي تتبنى سياسة التعددية الثقافية والاعتراف قانوناً بالإسلام، فهي تضع إطاراً قانونياً للحقوق والواجبات لمنح حق المواطنة والإقامة والعمل.

ويختلف هذا الاندماج باختلاف أصول المهاجرين أو اللاجئين وطبقاتهم ومستوياتهم الثقافية والتربوية والدينية، فمنهم من يرغب بالاندماج وتعلّم اللغة، ثم دخول سوق العمل وتولي الوظائف والمهن متجاهلاً الفروق الثقافية، لأنهم يتعاملون مع مجتمعات مؤسسة على مبادئ الديمقراطية وسلطان القانون والحريات العامة والخاصة وفقاً لرؤى علمانية.

وهذا ما يناقض عاداته وتقاليده وموروثة الفكري والثقافي بخلفية دينية، فالدستور السوري نص في المادة 3 منه (2-الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع). وأيضاً قانون الأحوال الشخصية المأخوذ من الفقه الإسلامي الذي ينظم حياة الأفراد من زواج وطلاق ونسب وإرث. وهذا ما يساهم في خلخلة التماسك الاجتماعي نتيجة أنماط حياة جديدة وتناقضات في السلوكيات الاجتماعية الموروثة. وهذا التناقض نجده مثلاً في حالة الإكراه على الزواج، فهو جريمة يعاقب عليها القانون في الغرب، أما إنجاب الأطفال دون وجود رابطة الزواج، فهي ليست مشكلة أخلاقية ولا تعد جريمة لأن حقوق الطفل مكفولة في القانون الوطني لديهم وفي اتفاقية حقوق الطفل الدولية، بينما تشكل هذه قضية خطيرة في مجتمعنا وبلادنا، إذ لا تقر القوانين فيها بشرعية ولادة الأطفال دون وجود عقد زواج صحيح.

وأيضاً أن يعيش رجل وامرأة غير متزوجين معاً ولا يربطهما عقد زواج، فهذا لا يشكل جريمة، بينما يشكل في مجتمعنا جريمة زنى وتُقتل المرأة تحت عنوان غسل العار. ومن ذلك أيضاً مسؤولية الوالدين تنتهي ببلوغ الأولاد سن الرشد فيحق لهم الاستقلال في العيش والانفصال عن الوالدين.كما لا يجوز ضرب الأولاد لأن الضرب جريمة تدخل ضمن قواعد قانون العقوبات، ولا يجوز احتجاز الأبناء في غرفة او فتح الرسائل الخاصة والبريد المرسل،

لذلك نجد أن صعوبة الاندماج في المجتمعات الغربية تأتي من صعوبة الانخراط في المجتمعات المدنية التي أصبحت قيم القانون فيها هي الفيصل، وبالتالي التنازل عن بعض مفردات ثقافته ومعاييره وتبني ثقافة المجتمع الجديد. وذلك للوصول إلى مجتمع راقٍ يسوده العدل والتسامح والمساواة وتبادل الحقوق والواجبات، حيث لا ضامن لحقوق الإنسان وحريته سوى القانون، وهذا ما نصت عليه المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبو عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء). فالتعصب الديني والثقافي وعدم قبول الآخر يشجع على ظهور مواقف معادية لمجتمعنا.

العدد 1112 - 26/6/2024