الكامن وراء فشل الصداقة بين الجنسين

نتيجة الثورة الصناعية والعلمية وما تبعها من تطور في الاتصالات التي جعلت العالم قرية صغيرة، وما تبعها أيضاً من تطور للمجتمعات فكرياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً، ودخول المرأة معترك الحياة إلى جانب الرجل، كل ذلك أدى إلى تحوّلات وتغيّرات للمفاهيم والقيم التي تمسُّ المرأة والأسرة، مما انعكس على علاقة الرجل بالمرأة نتيجة التواصل بينهما في الدراسة والعمل والمحادثات الإلكترونية، أو الندوات الثقافية والفعاليات الاجتماعية.

والذي حتّم على الرجل التعامل مع الكثير من النساء بعد أن أصبح لها دور فعّال وكبير في كثير من مجالات الحياة العلمية والعملية التي تقوم على أساس تبادل الأفكار والآراء. نتيجة لهذا التعامل الذي فرضه الواقع نشأت صداقات بين الرجل والمرأة يرفضها المجتمع نتيجة إرث ثقافي ومهني فرضتها العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية والسلوكيات الخاطئة، لأن التربية الأسرية في مجتمعنا قائمة على أساس ذكوري وديني بامتياز، تهيئ الرجل ليكون السيد وصاحب الأمر والمرتبة الأعلى، مثلما تهيئ المرأة على أنها جسد وتابع للرجل خاضعة له، مما جعل العلاقة بينهما محكومة ب(الحلال) و(الحرام)، يساندها في ذلك القانون عندما يستمد نصوصه من الدين والشريعة. لذلك نجد أي علاقة بين الأفراد تحكمها ضوابط وقيم دينية ثم قيم إنسانية، وهذا ما أساء فهم محتوى علاقة الصداقة بين الجنسين.

فعلى الرغم من تطور التشريعات التي ساوت بين الرجل والمرأة وعلى رأسها الدستور السوري الصادر عام 2012 الذي أوجب على الدولة في المادة 23 منه أن (توفر الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع). وأيضاً ما نص عليه في المادة 33 على تمتع المرأة بالحقوق والواجبات والحرية والمواطنة وتكافؤ الفرص.

وأيضا نص الدستور على ،ن العمل حق لكل مواطن وواجب عليه، وأن للمواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية.وكذلك نجد ،ن الدستور قد ساوى بين الرجل والمرأة في المجالات العملية والعلمية وكذلك بقية التشريعات التي تنظم حياة الأفراد في كل المجالات منها: قانون العمل وقانون التعليم والقانون المدني الخ.

غير أن قانون الأحوال الشخصية الذي استمد نصوصه من الدين والشريعة جاءت نصوصه تمييزية ومجحفة للمرأة، مما نال من حقوقها وحريتها كإنسانة، إضافة إلى ما تعانيه من تربية أسرية معنّفة. كل ذلك لم يساعدها على إنماء شخصيتها وشعورها بالثقة في النفس مثل الرجل، ما فرض عليها العزلة عن العالم الخارجي وكيفية التعامل مع الجنس الآخر.

وباعتبار الصداقة حاجة إنسانية، كونها توثّق الترابط الإنساني في المجتمع، وتعزز احترام الذات وتطور قدرة السيطرة على النفس والانفتاح على العالم والإبداع، وتعزز الذكاء الاجتماعي الذي يحفّز المهارات نتيجة التعاون والتعامل والمشاركة والتنافس بين الجنسين، وتساهم في بناء شخصية الفرد القائمة على المواطنة، والانخراط في الحياة الاجتماعية بكل ثقة بالنفس، وبذلك تتقلص الفجوة بين الجنسين. وهذا يحتاج إلى تفعيل حقوق المرأة وتعزيز مكانتها ودورها في المجتمع من خلال إصلاح المنظومة القانونية. وبحاجة أيضاً إلى ثقافة تنشئة اجتماعية جديدة تغرس الثقة بالنفس وتغيّر من مفهوم الرجل للمرأة، وذلك من خلال تثقيف شبابنا في منظمات المجتمع المدني أو المنتديات لتعليمهم وتعريفهم بمقومات مشاركة المرأة في العمل والصداقة، وبذلك نتخلى تدريجياً عن عاداتنا وتقاليدنا البالية التي تحدّ من حرية المرأة وتحرمها الكثير من حقوقها، لنصل إلى مجتمع تسوده الحرية والديموقراطية والمواطنة والعدالة الاجتماعية.

 

العدد 1112 - 26/6/2024